القائمة الرئيسية

الصفحات

الاخبار [slide]

عن الهوس الفلسفي للبشر بالحديث مع الحيوانات



 الحيوان الذي يتحدث بصوت البشري هو شخصية عن أكثر قوى الخيال ديمومة. مالذي نأمل سماعه؟ وماهو سبب هوسنا بالحيوانات الناطقة؟

تعود فانتازيا الحيوانات الناطقة في عمرها إلى زمن بعيد جداً قبل رواية فتى الأدغال ماوكلي بشخصياته وغيرها من القصص التي تتناول حيوانات ناطقة، تخيل أفلاطون أسطورة العصر الذهبي تحت الإله زحل بكونها وقتاً شاعرياً يتمتع فيه الإنسان بالإضافة إلى بقية صفاته الحسنة .. بالقدرة على التواصل مع الوحوش. يتحاور معها ويتعلم منها. كان أفلاطون يصور حلم أركاديا، في زمن مسالم للغاية تمكن فيه الإنسان من مخاطبة الحيوانات. وهي مشابهة في المبدأ للكتب المقدسة التي تلت الإغريق حيث تشابه أركاديا في وصف الجنة الإلهية التي تعيش فيها جميع مخلوقاته بتناغم معها، بحيث يستطيع آدم وحواء التحدث مع الأفعى. لكن زمن التحدث مع الحيوانات (أو الهوس بها إن صح التعبير) اختفى منذ زمن طويل، ولم يبقى منه سوى شذرات وأحلام.

حول هذا الموضوع، لستاسا إدواردز Stassa Edwards من مجلة Aeon مقال موسع ومميز جداً. إليكم أفكاره الاساسية.

سواء كانت الحيوانات قادرة على التكلم أم لا، أو كان لديها حياة داخلية تتحدث عنها (وهو سؤال آخر) نعلم أن الحيوانات تملك القدرة على التواصل مع بعضها حيث تمت مراقبة الحيوانات منذ القدم ودراستها بسلوكياتها وعاداتها. نميل كبشر لإسقاط أفكارنا على الكائنات الأخرى. ولا نستطيع سوى أن نستشعر وعي قطة عندما تموء بحركة ترحيب، فهل تملك تلك القطة حياة من نوع آخر في داخلها؟

وصف الكاتب ميشيل دو مونتاجني Michel de Montaigne (من 1533 لـ 1592) صمت الحيوانات في كتابه Apology for Raymond Sebond بأنه سبب من أسباب تعجرف البشر. قال الكاتب أن الحيوانات قادرة على التحدث، لأنها على درجة عالية من الوعي،لكن الإنسان هو الذي يرفض أن ينصت لها. يظن مونتاجني أننا ربما نسيء فهم لغة الحويانات فقط، وأن الجهل ليس صفة تلازمها بل تلازم البشر.

لم يجد مونتاجني من يشاركه الرأي. ويمكننا أن نربط بين كتابه هذا ووصف أفلاطون للعصر الذهبي تحت الإله زحل. لكن وحتى هناك، لم يكن لمونتاجني سوى القليل ليعمل به. قال أرسطو أن الحيوانات تفتقر إلى المنطق والمحاكمة العقلية، لذا لاتملك حساً فلسفياً بالعالم الذي تعيش فيه والذي يحكم فيه البشر. بعد مضي عدة عقود على كتاب مونتاجني، قام الفيلسوف الفرنسي الشهير ريني ديكارت بطرح قال فيه أن تفرد الإنسان يأتي من امتلاكه للمنطق، والذي لا تقوى الحيوانات على التعامل معه، والذي يمنح الإنسان في النهاية السيطرة على كل شيء.

أوضح ديكارت وجهة نظره بشكل مقتضب في رسالة للفيلسوف الإنكليزي هينري مور في 1647 قال فيها أنه لم يحصل في التاريخ كله أن وصلت الحيوانات إلى درجة من الكمال لتستخدم لغة حقيقية وليست قادرة سوى على الإشارة سوى ببعض الأصوات أو إشارات أخرى يمكن أن تعني وجود وعي لديها، فضلاً عن الحركات الطبيعية لها، وفي نفس الوقت نجد أن الإنسان ومهما كان ضليعاً باللغة يستخدم لغة الإشارات والتلميحات أيضاً بينما الحيوانات لاتفعل ذلك ومن هنا يمكننا أن نميز بين البشر والحيوانات.

تستمر وجهة نظر ديكارت حتى عصرنا الحديث. وعلى الرغم من وجود أسماء من مثل أرسطو وأفلاطون وديكارت، فإن رؤيا مونتاجني هي الوحيدة التي تسيطر على مخيلتنا وثقافتنا. تمتلئ القصص الأدبية بالحيوانات الناطقة: حصان أخيل خانتوس، قط شيشاير Cheshire cat، العنكبوت شارلوت وغيرها. أشهر الأمثلة ربما هو القط غارفيلد، ولعله أكثرها صدقاً، فهو لا يتحدث بالفعل وإنما يكون كل مايقوله مجرد إسقاطات من مالكه على قدرات تجعله يتحدث ويخاطبه.

نحن نقوم الآن بإنشاء حسابات للحيوانات على شبكات التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيس بوك ونعطيها بذلك اللغة التي نتوق ليمتلكوها.

حتى الأفلام والتلفاز تمتلئ بأمثلة عن حيوانات تتحدث مثل السمكة نيمو والضفدع كيرميت (الضفدع كامل في النسخة العربية) والأيقونة ميكي ماوس. نصل في الأمثلة لمرحلة تجعلنا نقول أن الانترنت اخترع لهذا الموضوع بالذات، حيث نجد أنفسنا اليوم نبحث عن مقاطع فيديو عن الحيوانات الناطقة كالكلاب التي تنطق بعبارة I Love You، بالإضافة إلى حيوانات أخرى تنطق بعبارات أقرب من هذه للطبيعة البشرية في الحديث.

تعود قصص الحيوانات الناطقة في جذورها إلى القدم عندما كان البشر لايزالون يؤمنون في احتمال انتقال أرواحهم عبر الأجسام بناء على الرغبة أو الحاجة. ومنذ ذلك الوقت، تطورت أنواع الحيوانات الناطقة لتلائم الرغبات البشرية، في نوع من الترميز لمعضلة وجودنا.

لطالما وفرت لنا الحيوانات الناطقة المرح والمتعة. حيث يمكن لها أن تأخذ شخصية الضعف أو الغضب. ويمكنها أن تعلمنا دروساً بشرية للغاية في أدوار عجيبة. ولنتذكر قصة لويس كارول Lewis Carroll أليس في بلاد العجائب التي تعج بالحيوانات الناطقة كالأرنب الأبيض والفأر الذي يستاء من تصرفات أليس ونشعر في مرحلة ما أن هذه الشخصيات تعتمد على طاقة مخيلتنا.

يمكن للحيوانات أيضاً أن تذكرنا بجمال الطبيعة المثالي. هناك قصة بريطانية صدرت عام 1902 للكاتب بياتريكس بوتر Beatrix Potter باسم The Tale of Peter Rabbit والتي سلطت الضوء على جماليات وروعة طبيعة إنكلترا بأشجارها وجحورها وصولاً إلى أطفال المدن فيها والذين كانوا يعيشون في مدن تزايدت فيها نسب التلوث بسبب الثورة الصناعية في أوائل القرن العشرين.

لكن وإن كانت الحيوانات الناطقة توفر مخرجاً تخيلياً لنا من حياتنا، فهي قادرة أيضاً على تمثيل أصوات تناشد إنسانيتنا، كطلب تحسن معاملتنا مع الكائنات الأخرى. هناك قصة نشرت من عام 1877 للكاتبة آنا سويل بعنوان Black Beauty كتبت على شكل سيرة ذاتية يرويها حصانها الذي يذكر اللحظات السعيدة واللحظات التي عانى فيها من سوء المعاملة أثناء جره العربات في المدينة.

مهما كانت مختلفة، فإن وجود الحيوانات الناطقة هو استمرار لنفس الخيال والفانتازيا.هي انعكاس لسلسلة من الرغبات البشرية، التي تشكلت بسبب احتياجات تاريخية كتبت على لسان هه الحيوانات. توفر لنا هذه الشخصيات بالقدرة على تخيل عالم مختلف كلياً لكنه يذكرنا بعالمنا، شبيه به لكنه معدل بطريقة تحافظ على الخيال.

يأتي الكاتب بي إيفانز P Evans في كتابه The Criminal Prosecution and Capital Punishment of Animals بذكر حالات كثيرة حوكمت فيها الحيوانات بالإعدام من الزمن الروماني وحتى عصر النهضة : خيول، حشرات وما إلى ذلك، لقيت حتفها جميعاً في أوروبا. اتهمت الحيوانات في بعض المراحل بتهم تطبق فقط على القوانين الإنسانية: الجريمة، القتل، السرقة وحتى الشعوذة.

مالسبب الذي يدفعنا إلى تعذيب وإهانة وإعدام حيوان لايملك المنطق ولا القدرة على المحاكمة العقلية؟ إن شخصنة الحيوانات في هذه الإدانات مزعج، حيث يبدو المشهد مصمما ليرمي بها في عالم غبي، يخلو من العقل، وليظهر قدرتها على استيعاب الوعي البشري بأخلاقه وعدالته ولغته. فبعد كل شيء، مالغرض من العدالة إن كان المدعى عليه غير قادر على الشعور بحجم الفعلة؟

قد نجد الإجابة في التاريخ الدموي للقرن الثامن عشر في باريس. في مجزرة القطط الكبيرة، حيث قامت مجموعة من الأشخاص بالقبض على مئات القطط وشنقها. قاموا بذلك كنوع من التظاهر والاحتجاج ضد من أساء معاملتهم، جسدياً ومادياً هنا وقعت القطط ضحية بين الأسياد والعبيد حيث وضعت في فم كل قطة كلمة مسيئة للحكام.

كذلك في القرن العشرين، كان إعدام الفيلة في السيرك ظاهرة شائعة. كانت الفيلة الهائجة تعاقب جراء ثورتها وقتلها للبشر، كان المتفرجون يطلبون العدالة وحصلوا على عرض بالمقابل: قتلت أنثى الفيل ماري مدربها، وشنقت جراء ذلك وكان وزنها 5أطنان وتطلب بناء المشنقة أموالاُ وجهداً كبيراً لتتحمل الوزن في ولاية تينيسي (الولايات المتحدة) في عام 1916، كما أطعم فيل آخر في نيويورك السم لإساءة تصرفه، كما تم صعقه بالكهرباء وشنق في النهاية في 1903، وتم تصوير كل هذا من قبل فريق من استوديوهات إديسون.

نرغب كبشر أن تتكلم الحيوانات – لتشاركنا وتفهم قيمنا – ومن ثم نفترض أنها تفهم نظمنا المعقدة للعدالة والأخلاق. نسيء فهمها ومن ثم نقوم بمعاقبتها وفق منطقنا. نمارس ما ادعى ديكارت أنه حقنا كبشر، أن نمارس السيطرة على الحيوانات ونقرر موتها. لكن هذا المنطق تلاشى إلى حد بعيد اليوم. يجد البشر اليوم إنسانيتهم في أكثر الحيوانات اضطراباً. يتنافس النشطاء في مجال حقوق الحيوان لإنقاذ قطة تهاجم مالكها أو كلباً يهاجم طفلاً. ناهيك عن أخذ الحيوانات المتشردة إلى أقرب مأوى مخصص لها. يعتني مالكو الحيوانات الأليفة بصحة حيواناتهم ويستعينون بأخصائيين لذلك.

في إحدى الحلقات الأخيرة على محطة Animal Planet وفي برنامج My Cat From Hell كان موضوع الحلقة يتناول القطة Lux بوزن 10 كيلوغرامات تسببت بخدوش على جبين صاحبها بعد أن هاجمته. بناء على الحلقة، كانت القطة بحاجة لمن يفهمها. اتصل الزوجان مالكا القطة بغالاكسي وهو رجل يبدو أنه قادر على ترجمة مشاعر القطة. تم تصوير القط لبضعة أيام اتصل بعدها مالكه بنفس الرجل غالاكسي بعد أن ساء تصرف القط. نقل غالاكسي القط إلى مكان مجهول، حيث شخصت حالته بأعراض feline hyperesthesia أو فرط التحسس لدى القطط، وهو اضطراب يتم معالجته بمضادات الاكتئاب. يتابع غالاكسي عمله مع القط، ويأمل بفك شيفرة عالمه الداخلي.

يبدو أن البشر يسعون لبناء جسر لغوي من نوع عندما نعبره سيجمعنا بالجنة مرة أخرى، حيث تعيش الحيوانات معنا بتناغم في التواصل.

يقول غالاكسي وغيره من مدربي وأخصائيي الحيوانات أن ليس هناك حيوانات سيئة ولكن يوجد هناك مالكو حيوانات سيئون فقط.

يقول فريدريك نيتشه الفيلسوف الألماني الشهير، أن الانسلاخ الكلي للبشر عن تاريخهم سبب لنا مرضاً غريباً يدعى الحداثة. فترة من التجرد من الغرائز التي خسرناها عبر الزمن. يمكن لتخيلاتنا عن الحيوانات الناطقة أن تكون محاولة لتغطية خسارتنا القدرة على التحدث إليها ومخاطبتها، لفهمها والتفاهم معها، إن التفاهم مع الحيوانات يتداخل إلى حد ما مع تفاهمنا مع أنفسنا، مع إنسانيتنا. كل حيوان يعاني يستحق أن يتم إنقاذه لأنه يعاني مثلنا، من عدم وجود من يفهمه ومن يستمع إليه من يعيد توحيدنا وتوحيد هذا الحيوان مع الجنة التي عاشت فيها الحيوانات مع البشر بتناغم وتفاهم وتواصل مستمر.

لكن هناك مايدفعنا للتساؤل إن كان هذا الجسر يبنى حالياً على وقائع أم على تخيلات. تبقى الإجابة غامضة كما كانت عندما طرح مونتاجني وجهة نظره وتساؤله.

من جهة أخرى هناك البروفسورة تيمبل غاردين Temple Grandin من جامعة كولورادو وهي الأكثر إن لم تكن الوحيدة الموثوقة في محاولة ترجمة لغة الحيوانات بطرق علمية وتوجد في سجلها محاولات ناجحة في ذلك وكتبت البروفسورة بشكل مكثف عن طريقة تفكيرها المرئية واقترحت أن الطريقة التي يعالج بها المصابون بالتوحد العالم على أساس صوري هي الوحيدة التي تحاكي الطريقة التي تعالج بها الحيوانات العالم. لدينا أيضاً شركة بيكسار العالمية التي تعمل على تصميم حديقة حيوانات متكاملة من الحيوانات الناطقة. هناك الكثير من التواتر في منظورنا عن الحيوانات الناطقة الذي يجذب ويدفع بنفسه تجاه لغة الحيوانات.

سواء شاء العلم والثقافة أم لا فإن الخيال هو نفسه: أن نتكلم مع الحيوانات، أن نأمل أن يتحقق هذا يوماً ما، وإلى حينها يمكننا أن نواظب على ترديد سؤال مونتاجني عن أنفسنا وعن الحيوانات: من يلعب مع من؟

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات