القائمة الرئيسية

الصفحات

الاخبار [slide]

هل وجودنا في الحياة حقيقي؟



 بدأ العلماء الآن بالتفكير باحتمال فناء البشرية، حسناً الخبر سيء لكنه محتوم يوماً ما. قبل أن يحصل ذلك، بدأ العلماء بالتفكير بطريقة تسمح لهم باستخدام القدرات الحاسوبية الهائلة التي تتطور كل يوم لمحاكاة التجربة البشرية على الأرض، بكل تفاصيلها الدقيقة. وسط كل هذا ظهر بعض العلماء والفلاسفة ممن حملوا الشك بأننا قد نكون في نظام محاكاة أساساً، وأن الواقع الذي نحياه ليس إلا جزءاً من البرنامج الذي صمم لنا. لماذا لم يحدث هذا السيناريو من قبل أصلاً؟ عن هذا الموضوع  كتب ماثيو فرانسيز Matthew Francis بشكل مميز في مجلة Aeon.

وصلت تكنولوجيا المعلومات الآن إلى درجات عالية من التعقيد، ومن المحتمل أن تزداد تعقيداً مع ظهور الحواسيب الكوانتية التي ستمكننا من إجراء عمليات محاكاة أكبر بأنظمة فيزيائية أكثر تعقيداً، ومن بينها ربما منظومات حية متكاملة، تتضمن حتى البشر.

قد لا تكون الفكرة مجنونة كما تبدو. ففي نقاش دار بين فيلسوفين طرحا فكرة تقول أنه وإذا كنا نقبل بالتعقيد الذي يكمن في المكونات الصلبة للحواسيب فمن المحتمل أن نكون في الأساس جزءاً من عملية محاكاة قام بها أجدادنا ربما، إعادة خلق افتراضية لتاريخ البشرية. وفي نفس الوقت اقترح ثلاثة من علماء الفيزياء النووية طريقة لاختبار هذا الفرض بناء على فكرة تقول أن كل برنامج علمي يطرح افتراضات لتيسير عمله. فإن كنا نعيش في نظام محاكاة، فقد نكون قادرين على استخدام التجربة لاكتشاف الافتراضات.

لكن يبقى السؤال: هل هناك طريقة لنكتشف ما إذا كنا نعيش في حياة نظام محاكاة أم لا؟

كما نعلم جميعاً، يعترف العلم بحتمية يوم ينتهي فيه وجود البشر على الكرة الأرضية. وسواء انقرضنا دون وجود أحفاد بعدنا أم أتينا بجنس مابعد بشري ليرث مكاننا، فإننا كبشر سنزول في النهاية. ومن المحتمل أن يكون الورثة القادمون مهتمين في محاكاة حياة أجدادهم في نظام ما، بنظام افتراضي ربما يعج بالبشر الذين يملكون وعياً مسبقاً.

نواجه في هذا المثال مشكلة مثيرة للاهتمام: فإذا وجدنا أنفسنا في وعي شخص آخر وفي وسط تجربته: كيف لنا أن نعرف ما إذا كنا من البشر الأصليين، أم مجرد محاكاة لأجدادهم، وخصوصاً في مكان يحوي الكثير من الأخير؟ يقول الفلاسفة أن علينا أن نستنتج صحة أحد ثلاث أشياء. إما بانقراض البشر أو أمثالهم قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى القدرة على إجراء عمليات المحاكاة، أو أن الحضارات مابعد البشرية لا تملك اهتماماً كبيراً بالوصول إلى وتصنيع تقنيات تمنحها هذه القدرات، أو أننا أنفسنا جزء من عملية محاكاة. وتشير جميع الاحتمالات حالياً إلى أن التجربة التي يمر بها الإنسان بوعيه الكامل ماهي إلا عملية محاكاة.

ومع ذلك تبقى فكرة وجود العقل البشري في نظام محاكاة ميالة للخيال العلمي أكثر منها للواقع. وطرحت هذه النظرية في الثلاثية الهوليوودية الشهيرة The Matrix حيث يكون عالمنا الذي نعرفه محاكاة حاسوبية للإبقاء على عقول البشر مشغولة فيما يتم جمع الطاقة من أجسادهم. لكن المحاكاة في نظام الفلم كانت شائبة إذ كانت بعض العقول المدربة قادرة على رؤية ومضات من العالم الحقيقي في الخارج، وقدرة أشخاص من العالم الحقيقي على الدخول إلى العالم الواقعي والخروج منه بحرية عن طريق برمجية قرصنة تسمح لهم بذلك.

تقول النظرية الجديدة أن الكون بأكمله خاضع لقوانين نظام محاكاة حاسوبية وليس فقط البشر. حيث تمثل كل قطعة من الذي التي نعرفه سطراً برمجياً بما في ذلك عقولنا وأذهاننا وتفاعلنا مع الأجزاء الغير واعية من البرنامج. لكن القدرات الحاسوبية اللازمة للقيام بهذه العمليات هائلة وضخمة جداً فالعلماء وحتى عندما يستخدمون الحواسيب الخارقة لدراسة تجاربهم ونتائجهم وأنظمة المحاكاة التي يصممونها فإنهم يبتعدون عن تضمين التفاصيل الدقيقة لأنها ستزيد من عمر المعالجة إلى حد بعيد ويستعيضون عنها ببعض القواعد والافتراضات الأساسية بحيث لا يعود البرنامج مضطراً لتعقب كل جزيئة أو مجرة بكل تفاصيلها، وإذا افترضنا أننا نعيش في نظام محاكاة فإننا أصغر من أن يتم توصيفنا في تفاصيل نظام المحاكاة الذي نعيش فيه وفي هذه الحالة يمكن أن نسأل أصحاب النظرية الجديدة: من أين لنا بالوعي الذاتي الموضوعي الذي نملكه إن لم يتم توصيفه في نظام المحاكاة المرسوم لنا؟

بعيداً عن الفلسفة، تسهل النظرية الجديدة حل وتفسير مجموعة من القضايا، فمع البدء باكتشاف كواكب شبيهة بالأرض فمن المحتمل ولو قليلاً أن توجد حضارات نهضت في الكون وطورت طرقاً للسفر بين النجوم، ومع ذلك لم نر شيئاً من هذا حتى الآن مايترك المجال مفتوحاً لنسأل: أين هم الفضائيون؟ إن كنا نعيش في نظام محاكاة، فقد لا تكون الكائنات الفضائية جزءاً من البرنامج بكل بساطة. في الواقع، قد لا يدعم البرنامج سوى نظاماً شمسياً واحداً يحوي الحياة في داخله.

ثم هناك الفشل الذريع للفيزياء في إيجاد مجموعة قوانين ونظريات موحدة لجميع القوى الذي قد يكون نتيجة لخطأ أو عدم تناسب في برمجية المحاكاة.

يقول الفلاسفة أصحاب النظرية أنه حتى لو حصل خطأ ما في برمجية المحاكاة فإن من وضعها سيدرك ذلك وسيقوم بإصلاح الخلل بسهولة كأن يجد بعض البشر ممن بدأوا يدركون حقيقة واقعهم فيقوم المسؤول عن هذه المحاكاة بتعديل برنامج تفكيرهم كي لا تفشل المحاكاة.

تظهر أوجه التباين بين العلم والفلسفة بشكل كبير في هذه الفرضية. يريد الفلاسفة إقناعنا باحتمال وجود نظام محاكاة نشكل جزءاً منه، بينما يبحث العلم في نفس الوقت عن مجالات اختبار صحة الفرضية إذ لا يستطيع حالياً أن يجد ما يمكن تجربته أو دراسته لتسجيل الملاحظات.

فإن كنا نعيش في نظام محاكاة كما تقترح الفلسفة فلا بد من وجود بعض القوانين المعرفة بشكل جيد، وأي تغيرات ديناميكية على هذه القوانين ستكون صغيرة الأثر. وهذا واضح من النجاح الذي حققه المنهج العلمي على مدى قرون. في الواقع تملك فرضية المحاكاة بعض القدرات التي يمكنها أن تفسر بعض الأمور: كالسبب الذي يضع الكون بحكم بعض القوانين البسيطة نسبياً حيث تفترض أن الكون برمج ليكون كذلك. أما التغيرات التي يضيفها مصمم المحاكاة أثناء عمل البرنامج فطرحت كتفسير لجسيمات النيوترينو التي تم اختبار سرعتها التي فاقت سرعة الضوء في 2011: احتوى البرنامج على خطأ، وقمنا كبشر بقياس أمر ما بناء على ذلك الخطأ.

في جميع الأحوال ليس هناك مافي الكون ليخبرنا ما إذا كنا جزءاً من نظام محاكاة أم لا. فإذا كان البرنامج الذي نعيش فيه كاملاً وخالياً من الأخاطاء فإن أي تجربة نجريها ستعود بنفس النتائج سواء كنا في كون مبرمج أم لا. في هذا السيناريو، ليس هناك طريقة لنتأكد من وجودنا في عالم افتراضي، مهما حاول الفلاسفة إقناعنا.

إن كنا نعيش في نظام محاكاة فما هي القوانين التي تحكم عالم الأشخاص الذين برمجوا عالمنا. ينتج العلم على الدوام نماذج لا تتجاوب مع الواقع العملي لكنها تساعد في تنقية النظريات التي تطرح قبلها، قد يكون هناك بعض الأماكن التي تظهر فيها السطور البرمجية لعالمنا. إن كان كوننا منظومة محاكاة رقمية مشابهة لتلك التي يجريها علماء الفيزياء النووية، فمن الممكن أن تكون هناك نقطة تتعارض فيها التعديلات الضرورية لتبسيط البرنامج مع التوقعات التي أتت بها الفيزياء الأساسية.

إذا نظرنا إلى نوى الذرات المكونة من بروتونات ونيوترونات وهي مكونة أساساً من الكواركات. فإن هذه العناصر مجتمعة تطلب فهماً للقوى الذرية القوية التي تربطها ببعضها، لكن التعقيدات التي تنطوي عليها التفاعلات مابين هذه العناصرلا تنطبق على عناصر أخرى كالإلكترونات. في جميع الأحوال، يصعب على علماء الفيزياء النووية حساب وقياس التفاعلات بين عناصر يزيد عددها عن اثنين فقط، خصوصاً على مقياس القوى الكبرى الموجودة داخل النواة.
بدلاً من السماح لهذه العناصر بالتحرك في كل مكان يقوم العلماء بدراساتهم كما لو أن العناصر توجد على شبكة ثلاثية الأبعاد، كما لو أنها في بلورة صلبة. لأن الطاقة تزداد فيما تقترب الكواركات من بعضها البعض،يضطر العلماء لإبقائها على مسافة ثابتة من بعضها البعض للحفاظ على أرقام يمكن التعامل معها. يسمى هذا النوع من الحسابات الرقمية بـ Lattice Quantum Chromodynamics LQCD (أحد مجالات الفيزياء الكوانتية)

عملية التبسيط هذه التي تم اتباعها مع مبدأ LQCD كانت الطريقة الوحيدة المتكاملة التي مكنت من وصف الكوراكات. مشكلتها الأساسية الآن أنها تتعارض مع مبدأ النسبية الذي قدمه آينشتاين. الزمكان Spacetime في النسبية متتابع واستمراري بدون أي اتجاهات واضحة أو معرفة. من جهة أخرى، يأتي الوصف المتبع وفقاً لتفاصيل الـ LQCD المعقدة مرتبطاً بوصف دقيق واتجاهات محددة. وإن كانت التصادمات عالية الطاقة كالتي توجد في الأشعة الكونية موجودة في بيئة تتيح لها أن تتصرف وفق نموذج LQCD بدلاً من النسبية، فقد يكون ذلك دليلاً على وجودنا في نظام محاكاة.

المزيد عن الخلافات بين النسبية والكوانتية

قد لا يستخدم مبرمج نظام المحاكاة الذي يتحكم بنا نفس السطور البرمجية التي يستخدمها علماء الفيزياء النووية، مايعني أن الانحرافات المتوقعة لن تظهر. وأخيراً قد يتصرف الزمكان Spacetime وفق نموذج LQCD لأسباب لا علاقة لها بوجودنا في نظام محاكاة، وهو احتمال يؤمن به أغلب علماء الفيزياء.

تكمن الصعوبة في سبر الكون بحثاً عن دلائل المحاكاة المفترضة في الأسئلة العلمية الصحيحة التي يجب أن نطرحها: الأسئلة التي يمكن تؤدي إلى نتائج منطقية. في نظام المحاكاة المفترض والذي يملك المبرمج فيه القدرة على تعديل الأخطاء آنياً، قد لا نستطيع أن نميز بين كون حقيقي أو كون نظام محاكاة. نفس الشيء ينطبق على المحاكاة دون العيوب التي لا يمكن كشفها. وحتى الفرضيات التي طرحتها الفلسفة تبدو فارغة إن لم يكن هناك إثباتات ملموسة ومنطقية لتدعمها.

هل نعيش في نظام محاكاة؟ ربما نعم وربما لا. فبعد كل شيء من يريد أن يؤمن بوجود كينونة ذكية قادرة على برمجة المعاناة الغير منطقية في عالمنا؟ لم لا يعمل على برمجة واقع سهل؟

تكمن قوة العلم في قيمه المطلقة، وفي المنطق، وحتى في بساطته. بينما من المعقد أن نفكر بمحاكاة كون بكافة تفاصيله (مانعرفه ومالانعرفه) ويحوي على عقول واعية ومدركة لذاتها. حتى لو كانت القواعد التي أقيم عليها برنامج المحاكاة بسيطة.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات