القائمة الرئيسية

الصفحات

الاخبار [slide]

عندما تكون “العقلانية” أمراً ضاراً معضلة السجينين



 في إطار سلسلة جديدة من المقالات على هايبرستيج تركز على بعض الأفكار والمختارة من علم النفس، والتي قد تبدي توضيحاً لبعض الأحداث التي تجري من حولنا في العالم ،في مجال التكنولوجيا أو غيره. سنقوم في هذا المقال بمحاول الإجابة على أسئلة مثل سبب كون البعض متعاوناً أكثر من غيره، أو إحتمال كون البعض أنانياً أكثر من غيره. لماذا يكون البعض أنانياً بشكل مؤذ لنفسه ولغيره بذات الوقت؟

سنستعرض واحدة من أكثر المعضلات شهرة في مجال مشكلة التعاون بين الأفراد. تعرف هذه المعضلة بإسم “معضلة السجينين”. لا يمكننا البدء بالحديث عن هذه المعضلة بشكل مفصل قبل أدراجها ضمن سياق علم الأحياء التطوري.

الإيثار المتبادل

لا يشكل إنجذاب الحيوانات الى أنسبائها من وجهة نظر تطورية أحجية كبيرة، فأحد وجهات النظر لنظرية التطور تعتمد على أن أحد دوافع عملية التطور هو الحفاظ على الجينات الذاتية لكل عنصر، لهذا فمن  المنطقي أن يهدف تطور هذه العناصر الى الحفاظ على “شجرتها” الوراثية، ومن المنطقي أيضاً أن يُطوّر الإنسباء، كالأولاد مثلاً، والتي تسعى بشكل إفتراضي للبقاء على قيد الحياة، إرتباطاً وثيقاً بأهلها وأنسباءها. الأمر الذي يشكل نوعاً من الأحجية السيكولوجية هو وجود إرتباطات معقدة ورائعة في بعض الأحيان مع العناصر من غير الأنسباء في بعض المجتمعات الحيوانية. بشكل آخر، نلاحظ أن العديد من الحيوانات تتصرف بشكل جيد مع الأفراد الأخرى من غير الأنسباء. القردة تقوم برعاية وتنظيف بعضها البعض على سبيل المثال. بعضها يقوم بإعطاء إنذارات تحذيرية في حال إقتراب عنصر مفترس أيضاً، الأمر الذي قد يشكل خطراً جاسماً بمن يقوم بإطلاق هذا التحذير، ومع ذلك تقوم  بهذه التحذيرات غالباً لحماية عناصر ليست من أنسباءها.

بعض الحيوانات أيضاً تقوم بالعناية بأطفال الآخرين، الأمر الذي قد يكون غير منطقياً من وجهة نظر إنتقاءٍ طبيعيٍ بحتة للحفاظ على الجينات. بعض من الحيوانات أيضاً يقوم بمشاركة الطعام مع الآخرين أيضاً. يشكل هذا الأمر نوعاً من الأحجية من وجهة نظر تطورية عندما نلاحظ أن تعاون هذه الحيوانات مع بعضها يصب في مصلحتها أكثر من عدم تعاونها.

يمكن تفسير هذه الظاهر من خلال مفهوم الإيثار المتبادل (Reciprocal altruism) والذي يعني بشكل مبسط بأن الإيثار الذي سيقوم به عنصر ما لعنصر آخر، مبنيٌ على الإستعداد وإنتظار إيثار العنصر الثاني للعنصر الأول في وقت لاحق. أحد المجتمعات الحيوانية التي تمت دراسة هذه النظرية عليها والتي تعمل بهذا المبدأ عند مشاركة غير أنسباءها بالطعام هو مجتمع الخفاش مصاص الدماء.المشكلة التي تنتج عن هذا الأمر هو وجود الغشاشين أو ما يعرف بالراكبين المجانيين (Free Riders)، مجموعة من العناصر تقوم بقبول الفؤائد من العناصر الآخرين من دون دفع الثمن أو رد الجميل. الأمر قد يكون مفيداً أكثر من وجه نظر التكيف الطبيعي هو أن يكون جميع العناصر من الغشاشين، ففي مثال الخفاش مصاص الدماء، عندما يعتمد هذا العنصر على الأخرين دائماً لجلب الطعام له، سيؤدي هذا الى عدم تعرضه للخطر وتقليل إحتمال إصابته بالأمراض. لكن ما سينتج عن هذا هو إختفاء ظاهرة الإيثار هذه من المجتمع حيث أن الأجيال القادمة كلها، وبحسب نظرية الإنتقاء الطبيعي، ستكون ممن يقوم بهذا التصرف، الأمر الذي يعود بنا الى الأحجية ذاتها: إذا كان الخيار المنطقي لهذه العناصر من وجهة نظر تطوريه أن تعتمد على الآخرين في حال وجود لظاهرة الإيثار المتبادل، فكيف من الممكن أن تكون هذه الظاهرة إستراتيجية مستقرة للتطور مازالت متواجدة حتى الآن؟

تكمن الإجابة في فكرة أخرى وهي تطبيق نظام معاقبة للأفراد الغشاشين. يتطلب هذا الأمر بالطبع جهازاً عقلياً متطوراً نوعاً ما، حيث أن الخطوات المطلوبة للقيام بهذا:  التعرف على الغشاشين ، تذكرهم، إستحضار دافع للقيام بفعل المعاقبة، هي خطوات مقعدة بعض الشيء. بالطبع، لا تملك جميع الحيوانات أجهزة عقلية تمكنها بهذا، ولكن (وكما شاهدنا في الفيديو في الأعلى) تقوم حيوانات الخفاش مصاص الدماء بهذا الأمر. يمكننا مما سبق أن نستنتج أن هذه الظاهرة لم تكن ستوجد في مجتمع الخفاش مصاص الدماء مالم تقم العناصر بالقيام بتتبع ومعاقبة من يقوم بالأخذ وعدم الرد، أو بالإيثار للعنصر وتقبل إيثار الآخرين له من دور مقابل. العقاب هنا يكون بعدم مشاركة الطعام مع الأفراد الأنانيين ممن يرفضون مشاركة طعامهم عند حصولهم على كمية جيدة من الغذاء.

العواطف الإجتماعية

من الحديث السابق عن الإيثار المتبادل، يعتقد بعض علماء النفس بأن عملية التبادل هذه تلعب دوراً مهماً في تطور السلوك والعواطف الإجتماعية. المثال الكلاسيكي لتوضيح هذا الموضوع هو معضلة السجينين.


معضلة السجينين

تتم الإشارة الى هذه المعضلة في مختلف عدد من العلوم: كالإقتصاد، العلوم المعرفية (Cognitive Science)، أو علم النفس. فكرة المعضلة بسيطة جداً. إليك هذا المثال:

  • أنت وصديق لك تقومان بالسطو على بنك
  • يتم إلقاء القبض عليكما، من دون دلائل لإثبات التهمة
  • يضعك المحقق أنت وصديقك في غرف تحقيق منفصلة
  • يأتي المحقق إليك ويخبرك بأنه يود أن يسمع منك جميع تفاصيل الجريمة
  • أو ببساطة، يود منك أن تقوم بالوشي عن صديقك. لديك الخياران التاليان:
  1. يمكنك أن تتعاون مع صديقك، أو بمعنى آخر أن تبقى صامتاً وأن لا تخبر عنه
  2. أو يمكنك أن تشي به أو تخبر عنه
  • الخيارات هذه ذاتها متاحة لصديقك بالغرفة الأولى. سنعتبر أيضاً في هذا المثال بأن المحقق صادق معك ومع صديقك وخياراتكما سيتم إحترامها.
  • يخبرك المحقق بالتالي:
  1. إذا قررت عدم الإخبار عن صديقك، وبالوقت ذاته إختار هو أن يوشي بك، ستذهب الى السجن بقية حياتك بينما سيخرج هو من دون أي تهمة
  2. إذا قررت الإخبار عن صديقك، وبالوقت ذاته إختار هو أن لا يوشي بك، سيذهب هو الى السجن مدى بقية حياته بينما تخرج أنت من دون أي تهمة
  3. إذا قررت أنت وصديقك الوشي ببعضكم، ستذهب أنت وهو الى السجن لمدة 10 سنوات.
  4. إذا قررت أنت وصديقك عدم الوشي ببعضك، ستذهب أن وهو الى السجل لمدة 5 سنوات.

الأمر الذي قد يدور في بالك في هذه الحال هو: إذا قررت عدم الوشي بصديقك وأختار هو الأمر ذاته، سيحصل كلاكما على أخف عقوبة ممكنة لكما معاً، السجن ل 5 سنوات. ولكن إذا قررت الوشي به في حين لم يختر هو ذلك، ستخرج أنت من دون أي عقوبة بينما سيُعاقَب هو بأكبر طريقة ممكنة. الأفكار هذه ذاتها تدور بذهن صديقك.

بشكل عام، وإذا حاولنا إيجاد الخيار الأمثل لكما معاً sهو أن تتعاون أنت وصديقك ولا تقوما بخيانة بعض، والخيار الأسوأ لكما سوياً هو أن تختارا أن تتقوما بخيانة بعض.

الأمر الذي يجعل الأمر مثيراً للإهتمام من ناحية نفسية، هو أن الخيار الفردي العقلاني في  كافة الأحوال هو أن تقوم بالوشي بصديقك. ما يجعل الأمر صعباً هو قامه هو بالأمر ذاته، حيث ستكون النتيجة سلبية لكما في النهاية.

مع أن المثال السابق هو خيالي بعض الشيء، الى أن هناك العديد من الأمثلة الحياتية التي يمكن تطبيق الفكرة ذاتها عليها ولو بشكل مبسط.

مثال واقعي آخر ينطبق على هذه المسألة: إذا كان هناك دولتان كلاهما يملك سلاحاً نووياً. يمكن لكلاهما أن يقرر أن يتخلص من هذا السلاح، الأمر الذي سيكون مفيداً لكلا الدولتين من ناحية تجنب خطر قيام أحدهما بالإعتداء على الأخرى. ولكن من المنطقي أن تفكر كل دولة منهما على حدىً بأن تكون هي من يملك هذا السلاح والدولة الأخرى لا تملكه، الأمر الذي سيعطيها قوة أضافية فوق الدولة الأخرى. سيفكر كل منهما أيضاً بإحتمال إلتزامهم بالتخلص من سلاحهم وتخلف الأخرى عن القيام بهذا، الأمر الذي سيعطي هذه الدولة قوة أعلى من تلك التي تخلصت منه. لذى، لا يقوم أي منهما بالتخلص من سلاحهم وينتهي المطاف  بإختيارهما أسوأ الإحتمالات لهما سوياً.

كما يمكنك أن تلاحظ، يمكنك التفكير بالعديد من الأمور بهذه الطريقة. بالطبع هناك العديد من العوامل الأخرى في الحياة الواقعية التي تلعب دوراً هاماً في تحديد هذه الخيارات، كالتعاون والنقاش ومحاولة الوصول الى الخيار الأمثل، ولكن، وبشكل مبسط، هذا هو الهيكل الذي تُبنَى عليه العديد من العلاقات التعاونية بين فردين أو مؤسستين.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات